محمد جواد مغنية

938

عقليات إسلامية

خشية التقصير والتفريط ، وهم الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ، كما وصفهم الإمام علي بن أبي طالب . وترى هذا الوصف مجسما في أقوالهم وشعورهم ، وهم يناجون خالق الكائنات ، ويتضرعون إليه طلبا للعفو والمغفرة ، وانك لتحس ، وأنت تقرأ تلك المناجاة ، انهم قد تجردوا عن الشهوات ، ومحوا من أنفسهم جميع الأهواء والغايات ، وقد تراني أيها القارئ مغاليا في قولي هذا ، لأنك قد ترى مع من يرى أن الانسان مهما سمى بأخلاقه فإنه لا يرتقي إلى ما فوق الظروف والبيئات ، ولكن بماذا تفسر هذه الذروة في كلام الإمام زين العابدين ، وهو يناجي ربه الكريم بقوله : « إلهي لم أعصك حين عصيتك ، وانا بربوبيتك جاحد ولا بأمرك مستخف ولا لعقوبتك متعرض ، ولا بوعيدك متهاون ، ولكن خطيئة عرضت ، وسولت لي نفسي ، وغلبني هواي ، وأعانني عليها شقوتي . . . فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ ! وبحبل من اتصل ، ان أنت قطعت حبلك عني ؟ ! ولولا ما أرجو من كرمك وسعة رحمتك إياي عن القنوط لقنطت . . . فهب لي من لدنك رحمة . انك أنت الوهاب ، فبعزتك لو انتهرتني ما برحت من بابك ، ولا كففت عن تملقك . . . إلى من يذهب العبد الا إلى مولاه ؟ ! وإلى من يلتجيء المخلوق الا على خالقه ؟ ! » . ونتساءل : هل انتقل هذا الشعور إلى الامام بالعدوى ، أو اكتسبه من البيئة ، وقد عاش في عصر الأمويين ، عصر الظلم والفساد ، وقديما قيل : الناس على دين ملوكهم ؟ ! كلا ، لا سبب لهذا اليقين الا المعرفة بقدرة اللّه وعظمته ، والا النظر العميق يخترق الحجب والظواهر ، ويدرك الحقائق التي تطمئن إليها النفس ، ويقرها العقل .